مسلسل الجسر: ديستوبيا مابعد نهاية العالم بنكهة عربية
(ديستوبيا) هو إسم بيطلق على الأعمال الأدبية والسينمائية اللي بتتناول تحول المجتمع لمجتمع فاسد وانتهازي، ودايما بيتزامن المصطلح ده مع أعمال (نهاية العالم) اللي بتورينا دايما السيناريو البشع اللي بينتظر مجموعة من الناجين من كارثة كبيرة بتضرب الأرض، وازاي هايقدروا يستمروا على قيد الحياه.
لحد زمن طويل كان النوعين الأدبيين دول مقتصرين على الإنتاج الهوليودي والأجنبي، وكان العرب أبعد ما يكون عن المنطقة دي نتيجة تكلفتها المادية الكبيرة، والمخاطرة الفنية بتقديم أعمال مختلفة ١٨٠ درجة عن المطروح على الساحة.
لكن منصة (شاهد) اللي بنعتبرها أفضل منصة أعمال عربية على الانترنت حالياً، قررت تقتحم المنطقة الشائكة دي من خلال مسلسل (الجسر)، وهو مسلسل قصير من ٦ حلقات كموسم أول بنشوف فيهم محاولة صمود مهندس ذكي وقوي (عمرو سعد في دور نوح) والنجاه من كل التحديات اللي بتواجهه في عالم فاسد بعد حرب عالمية عظيمة أدت لفناء البشر تقريبا، علشان يوصل مع إبنه (ناجي) لبر الأمان المتمثل في منطقة أمنة اسمها (الجسر).
مؤلف (الجسر) محمد سليمان عبدالمالك بيضعنا من البداية في منتصف الأحداث. وبيسيب لتدفق القصة انه يحكي لنا اللي ناقص بالنسبة لنا. يعني الأحداث بتبدأ بدون ما توضح لنا طبيعة الحرب اللي أدت لفناء البشر، وايه هو (الجسر)، وليه فيه كيان اسمه (المستعمرة). لكن الأحداث هي اللي بتفسر لنا النقاط اللي غابت عنا. والأسلوب ده وان كان كويس في البداية للتشويق، لكنه زاد بحيث فضلت عندنا أسئلة لحتى نهاية الموسم الأول من الأحداث.
من المرات النادرة اللي تلعب فيها نيللي كريم دور الشر، بتقدم من خلال (الجسر) دور (دليلية). وهي صاحبة كيان ضخم اسمه (المستعمرة) اتجمع فيه مجموعة ضخمة من البشر بعد دمار الكوكب، علشان يقايضوا حريتهم مقابل شعورهم بالأمان والانتماء لمجموعة، وعلشان تستغل (دليلة) رغبة الانسان الفطرية في الحركة ضمن مجموعة علشان تخليهم عبيد عندها، وتنسف عندهم فكرة زيارة (الجسر) اللي بيمثل في المسلسل رمز للحرية والاستقلال.
رمزيات المسلسل مش بتقف هنا. الأسماء نفسها لها رمزيات كبيرة بعضها له معنى ديني. زي شخصية أحمد سعد اللي بتحمل إسم (نوح) في إشارة لزمن الطوفان وغسل الأرض من الشر اللي ساد فيها، وإسم (دليلة) لشخصية نيللي كريم، وبعضها له علاقة بالأحداث زي اسم الطفل (ناجي)، واللي بالمناسبة قام بدوره الفنان الطفل يوسف صلاح بأداء أكتر من رائع.
وبما أننا بنتكلم عن الأداء. عمرو سعد بيقدم في (الجسر) الدور التقليدي لعمرو سعد.. الراجل اللي مش بيغلط أو يضعف أو يتهز مهما كان التهديد، وممكن نقول أنه المعادل الحديث لشخصية (رجل المستحيل) في مؤلفات د. نبيل فاروق اللي أكيد محمد سليمان عبد المالك تأثر بيها أثناء كتابة (الجسر)، زي ما نيللي كريم هي المعادل الحديث لشخصية (سونيا جراهام) من نفس السلسلة.
وبما أننا بنتكلم على التأثر، ممكن نراهن على تاثر صناع (الجسر) بلعبة The last of us الحصرية على منصة بلاي ستيشن، واللي بتحكي عن محاولة رجل وبنت صغيرة النجاة بحياتهم بعد فناء العالم، والوصول لبر الأمان. وزي ما لاحظنا تشابه في القصة، فيه كمان تشابه رهيب في ديكورات ومؤثرات الجسر وبين اللعبة. ولازم نشيد هنا بجمال وإتقان تنفيذ الديكورات واختيار أماكن التصوير بطريقة جعلتنا نفتكر اننا فعلا في مرحلة ما بعد زوال العالم التقليدي اللي نعرفه.
ورغم تجربة (الجسر) اللي كان ممكن تكون مثالية، تنفيذ مشاهد الحركة كان وحش جدا، وكان واضح على الممثلين أنهم مش عاوزين (يهينوا نفسهم) من خلال تعرضهم لضرب حقيقي أو شبه حقيقي حتى. وده خلى مشاهد الأكشن في المسلسل تكاد تقترب من كونها كارتونية ومثيرة للضحك، كمان الحوار في المسلسل كان (كليشيهي) جدا وفيه حكم ومواعظ كتير خليتنا نحس أنه مش واقعي.
مسلسل (الجسر) يعتبر تجربة من التجارب الأولى في اقتحام تيمات جديدة على الفن العربي، تجربة تستحق التشجيع رغم سلبياتها، لعلنا نشوف أعمال اقوى في المستقبل.