كل المقالاتمقالات التقرير

يوسف شاهين : (العصفور) يحكي (حدوته مصرية) عن (الأخر) و (المصير).

قراءة سهلة

في كل أفلامي لغز غامض لا يقوي علي فهمه الكسالي الذين يريدون – بحكم التعود – فهم الأشياء مسبقًا قبل التفاعل معها.

ربما لو أردنا تلخيص رحلة المخرج المصري العالمي يوسف شاهين (1926-2008) لن نجد سوي تلك العبارة التي صاغها بنفسه، تاركا المهمة صعبة لكل من يحاول التفاعل مع سينما المخرج المصري صاحب البصمة المميزة، والأسلوب الاخراجي القائم على الرمزية فى معظم أعماله، والقدرة الفذة على نقد المجتمع والذات حتي فى أحلك اللحظات.

يمكن تلخيص فيلموجرافيا (شاهين) فى فترات ثلاث، فترة ما قبل فيلم (الأرض1969) وفترة ما بعد هذا الفيلم، مع الأحتفاظ بأفلامه عن سيرته الذاتية فى تصنيف خاص، كسلسلة متسقة بذاتها تؤرخ لحياة فنان، شاء أن يكرم نفسه بنفسه، وأن يحكي عن نفسه بنفسه، قبل أن يتسلق المتسلقون جثته سعيا لأنتاج أفلاما لا تنتهي عن مسيرته  الحافلة.

لكل منا نصيب من اسمه وتاريخ ميلاده، وهذا المولود فى 25 يناير سيظل على موعد مع الثورة، وسيتنبأ بها فى أخر اعماله (هى فوضي2007) الذى أخرجه بالاشتراك مع تلميذه النجيب (خالد يوسف) ، الفيلم الذي يحكي عن محاولة (حاتم) أمين الشرطة الفاسد الاقتران بـ(نور) فتاة الحي الشعبى الجميلة، قلب الفتاة مُعلق بوكيل النيابة الوسيم (يوسف الشريف)، فلا يجد (حاتم)  سوى اغتصاب الفتاة البريئة، ما يشعل ثورة عنيفة تحطم قسم الشرطة فى محاولة  الشعب تطبيق القانون بيده، انه سيناريو ثورة 25 يناير التي اشتعلت فى مصر بعد سنوات من عرض الفيلم، فقط لو أدرك المشاهد الرسائل المشفرة عبر الشريط السينمائى، فـ(حاتم) اسقاط مباشر على الـ(حاكم) المتمثل فى الرئيس مبارك أنذاك، فى فترة من أقسي فترات حكمه، و (نور) المغتصبة هى مصر التي فشل (حاتم) فى الوصول الشرعي لها لتصدي القضاء له ممثلا فى شخصية وكيل النيابة، ما ادي  لاغتصاب السلطة فى 2005 من مبارك ورجاله.

وأن كان (هي فوضى) واحدا من أكبر الأمثلة على الرمزية فى اعمال (يوسف شاهين) السينمائية، لكن الفيلم ليس افضل اعماله على مستوي الرمز، ففي فيلم (المصير1997) يتناول (شاهين) قضية حرية الرأي فى واحدة من أحلك فترات موجات الأرهاب الديني التي ضربت مصر فى تلك الأونة.

يمتزج الرمز بالتاريخ فى مزيج لا يقدر عليه سوي (جو) كما يطلق عليه المقربون، يحكي عن المفكر الشهير (ابن رشد) الذي يحارب التطرف الفكري فى عصره، فى أخر عصور ازدهار المسلمين فى الأندلس.

يحيط المتشددين بالخليفة الضعيف (محمود حميده)، والذى يسعي لنقل الحكم لواحد من اولاده (هاني سلامه و خالد النبوي) ، وهنا الرمز يتجلى واضحا كالشمس، فالخليفة الضعيف هو الرئيس مبارك، الساعي لنقل السلطة لاولاده (جمال وعلاء)، فى ظل انتشار التطرف الديني ومحاولة قتل مطرب الغجر المدعوم من ابن رشد (محمد منير)، وكأن فى مشهد ضربه بالرمح اسقاطا قويا على محاولة اغتيال المفكر العالمي (نجيب محفوظ) من قبل راديكالين اسلاميين، على خلفية روايته (اولاد حارتنا).

يقدم (شاهين) حلوله الغنائية من خلال معظم أفلامه، يمتاز اسلوبه الاخراجي بالتركيز على الموسيقي التصويرية والغناء والاستعراض فى اعماله، يحكي الملحن العبقري (محمد نوح) والذى تعاون مع (شاهين) فى اعماله الأشهر (اسكندريةكمان وكمان1990) و (المهاجر1994) يحكي نوح كيف كان شاهين يوقظه فجرا ليخبره عن مقطع موسيقي يجب تضمينه الفيلم، أو جملة موسيقية ألحت على عقل (شاهين) أصر بعدها أن يضمنها الاستعراضات.

تعتبر الاستعراضات الفنية التي قدمها فى (اسكندرية كمان وكمان) من أفضل ما قدم فى هذا المجال، وتحمل رقصة الفنان الوجه الجديد انذاك (عمرو عبد الجليل)، اسقاطا مباشرا على المعاناة التي قابلها عندما فشل فى الحصول على جوائز مهرجان (كان) السينمائى، ويصور المقطع الغنائى حوارا معاتبا بين الممثل والمخرج حول مسئولية كل منهم عن عدم الحصول على الجائزة.

حتي فى أفلامه التي لا تحمل فى طياتها رمزا أو اسقاطا، مثل (سكوت حنصور2001) حمل الاستعراض الذى يتعرض (شاهين) من خلاله للشخصية المصرية، وحمل نفس الاسم (المصري) استطاع المخرج العالمي توظيف امكانيات العبقري (عمر خيرت) فى تقديم لحنا لايزال حيا فى وجدان عشاق السينما والغناء حتي اليوم، وبأداء قوي ومتقن من المطربة (لطيفة) التى جاء صوتها كمسك الختام للاستعراض المتميز.

استعمال المطربات كبطلات لأفلامه، يعد من أكبر هواياته وبصماته السينمائية، شاهدنا (داليدا) فى (اليوم السادس1986)، فيروز فى (بياع الخواتم1965)، لطيفة فى سكوت حنصور، وغيرها من الاعمال والاستعراضات التي تظهر اهتمامه بتفاصيل الموسيقي فى كل اعماله.

وبينما حرص العديد من المخرجين على الظهور فى افلامهم، استأثر (شاهين) لنفسه فيلما كاملا قام ببطولته واخراجه فى أن واحد، وهو فيلم (باب الحديد 1958) ، والذى جسد فيه شخصية (قناوي) بائع الجرائد الأعرج الفقير المحروم جنسيا، والذى يطارد (هنومة) بائعة الجرائد، حتي يتطور الأمر لجريمة قتل تشهدها منطقة محطة القطار فى القاهرة العاصمة. واستمر ظهوره فى باقى اعماله كومضات خافتة ينتظرها عشاقه فى معظم اعماله.

تحمل رباعيته السينمائية عن سيرته الذاتية طابعا خاصا ومحببا لمتابعي سينما (يوسف شاهين)، بدأها بفيلمه الأول (اسكندرية ليه) حيث ظهر الشاب ذائع الشهرة انذاك (محسن محيى الدين) فى دور (يحي شكري)، ولا يخفى على المشاهد ان (شاهين) رمز لنفسه بالأحرف الأولى فى الاسم الاول والاخير فى الدور الذى لعبه (محسن)، وكيف أظهر (شاهين) اسلوب الحياة فى مصر خلال فترة الحرب العالمية الثانية، وكيف جاهد أهله لتعليمه تعليما لائقا به، علاقة (شاهين) بـ(محسن محي الدين) ستظل غامضة وغير مألوفة فى تاريخ السينما المصرية، حتي يناقشها فيما بعد تفصيليا فى (اسكندرية كمان وكمان)، وكيف مل الشاب المعجزة من الذهاب للمهرجانات بصحبة (شاهين) ويعودا بخفى حنين، فانطلق لأفاق السينما التجارية حتي غيبه الاعتزال عن الساحة الفنية، التى عاد لها مؤخرا ببعض اعمال ضعيفة المستوي.

فى (حدوتة مصرية) يجرى (شاهين) محاكمة فانتازية لنفسه وأسرته، وحتي أبطال افلامه! بداية من مشهد الأزمة القلبية التي يتعرض لها فى بداية الفيلم، فتحيلنا الكاميرا المحترفة لداخل قلب (شاهين) حيث تعقد المحاكمة العلنية للجميع بلا استثناء، يُبدع الفنان (نور الشريف) فى تجسيد شخصية (يحي شكري) مجددا، مهزوما تائها، محاولا الوصول بسفينته المضطربة فى محيط العمل السينمائى المصري للأمان.

فى فيلمه الأخير عن قصة حياته (اسكندرية نيويورك)، يحكي شاهين قصة انتقاله من الاسكندرية الى نيويورك للدراسة، وكيف التقى (جنجر) صديقة دراسته وحبيبته فيما بعد، والتي قامت بدورها الفنانة (لبلبة) والوجه الجديد انذاك (يسرا اللوزي).

يستعرض شاهين خلال اعماله، علاقته المعقدة بالولايات المتحدة الامريكية، أحد جوانب (شاهين) لا يري فى الولايات المتحدة سوي دولة الحرب والدم، عديمة التاريخ التي سيطرت على الحاضر والمستقبل، حتي انه شبهها فى احد افلامه بفتاة ليل بحجم تمثال الحرية، تضحك ضحكة ماجنة وتغمز بعينها، ومن ناحية اخري، يري الولايات المتحدة بالمكان الذى درس فيه، وتعلم تكنيكات السينما واساليب الأخراج، وعاد لمصر ليبدأ فى تقديم انتاجه الفني، انه الصراع العقلي العاطفي بين الولايات المتحدة كدولة وادارة لا تتورع عن ارتكاب افظع الجرائم، وبين الشعب الأمريكي المسالم بطبعه، والذى استقبل (شاهين) فى بداية دراسته فى الولايات المتحدة.

الحديث عن (يوسف شاهين) لا ينتهي، لكننا دخلنا لمحراب المقاتل السينمائى الذى حارب منفردا فى معظم أعماله، وقدم للسينما المصرية مجموعة من افضل اعمالها على الاطلاق، ولنا عودة قريبة مع اعمال منفردة، او تقارير اكثر تفصيلا وتناولا للرجل الذى يعتبر نقطة تحول هامة فى تاريخ السينما فى مصر والعالم العربي.

زر الذهاب إلى الأعلى